أزمة جفاف حادة تضرب النمسا.. ذبح مبكر للمواشي ومخاوف من قفزة وشيكة في أسعار المواد الغذائية

النمسا ميـديـا – فيينا:

تسببت موجة الجفاف الشديدة والمستمرة التي تضرب الولايات النمساوية في فرض تحديات اقتصادية غير مسبوقة على القطاع الزراعي المحلي يوم الخميس، الموافق 6 أغسطس 2026، حيث اضطر العديد من المزارعين إلى الذبح المبكر للأبقار والمواشي نتيجة النقص الحاد في الأعلاف والمياه، مما أدى إلى غمر الأسواق بعرض مفرط وانخفاض مؤقت في أسعار اللحوم، وسط تحذيرات رسمية من انقلاب هذه الأزمة قريباً لتسجل ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية والمنتجات الزراعية نتيجة التراجع القياسي في المحاصيل المتوقعة لهذا العام.

ضغوط قياسية على المجازر ومطالبات بوقف استيراد المواشي

أوضحت الرابطة الاتحادية لمربيي الماشية ARGE Rind، التي تمثل مظلة ثماني جمعيات لمربيي الأبقار في النمسا، أن الأسابيع الأخيرة شهدت طرح ثلاثة أضعاف الأعداد المعتادة من أبقار الذبح في الأسواق. وأكدت المؤسسة أن المزارعين وجدوا أنفسهم مجبرين على بيع أبقار الذبح مبكراً لتأمين الغذاء والمياه لبقية القطعان، مما أوصل الطاقة الاستيعابية لمراكز الذبح والتقطيع إلى حدودها القصوى.

وأضافت الرابطة أن النقص الحاد في المياه والأعلاف اضطر المزارعين لإنزال الأبقار مبكراً من المراعي الجبلية في المرتفعات. ووجهت ARGE Rind مناشدة عاجلة إلى المسارخ وتجار المواشي لوقف الاستيراد الحي لأبقار الذبح مؤقتاً لمواجهة “أزمة الأعلاف الدراماتيكية”، مشيرة إلى أن النمسا تستورد في الظروف العادية ما يصل إلى 1,000 بقرة حية أسبوعياً لغرض الذبح.

هبوط أسعار اللحوم واستقرار في قطاع الخنازير

سجلت أسعار أبقار الذبح انخفاضاً حاداً بنسبة بلغت 25% مقارنة بالأسبوع التقويمي الثامن والعشرين (الواقع بين 6 و12 يوليو)، حيث صرّح أحد المزارعين في ولاية شتايرمارك بأنه يجد نفسه يبيع مواشيه “بسعر شبه مجاني”. وفي المقابل، أكدت شركة Fleischhof Raabtal أن قطاع لحوم الخنازير لم يتأثر حتى الآن، نظراً لأن تخزين الأعلاف المخصصة لتربية الخنازير لعام كامل يتم عادةً خلال فصل الخريف.

خسائر فادحة في المحاصيل وانخفاض إنتاج الحبوب

وعلى صعيد الإنتاج النباتي، تسبب الجفاف القياسي المرتبط بالتغير المناخي في تسجيل تراجع كبير في محاصيل الأعلاف الخضراء وذرة الحبوب. وأفاد Lorenz Mayr، نائب رئيس Landwirtschaftskammer Niederösterreich (غرفة الزراعة في النمسا السفلى) والرئيس المنتخب لها، خلال مقابلة مع برنامج ZIB2، بأن إنتاج الحبوب المسجل في عموم النمسا شهد انخفاضاً بنسبة 20%، بينما وصلت نسبة الخسائر في شرق النمسا إلى ما بين 70% و80%.

ويتوقع الخبراء تسجيل خسائر حادة تصل إلى الفقدان الكلي للمحاصيل غير المخصودة بعد مثل الذرة واليقطين والصويا. وبحسب بيانات مؤسسة السوق الزراعي النمساوي Agrarmarkt Austria (AMA)، بلغ إنتاج الحبوب (باستثناء الذرة) نحو 2.5 مليون طن، وهو ما يقل بنسبة 19% عن الإنتاج الجيد للعام الماضي، وبنسبة 14.4% عن متوسط الأعوام الخمسة الماضية.

مخاوف من قفزة في أسعار البطاطس والخضراوات

أكد Lorenz Mayr أن الإمدادات الغذائية الأساسية في النمسا ليست مهددة بشكل عام، مشيراً إلى أن كميات القمح المحصودة أقل حجماً لكنها تتمتع بجودة عالية جداً، وهو ما أيدته مؤسسة AMA بتأكيدها توفر كميات كافية من القمح للمخابز. غير أن الوضع يتخذ منحنى حرجاً في منتجات أخرى مثل البطاطس، حيث انخفض المحصول إلى ثلث المستويات المعتادة فقط، مما يرجح “بشكل مؤكد” انعكاس ذلك على أسعار المواد الغذائية في الأسواق.

وتشير بيانات وزارة الزراعة النمساوية إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي من البطاطس بلغت نحو 80% (حسب إحصاءات 2023/2024)، حيث تتركز زراعتها الرئيسية في ولاية النمسا السفلى. بينما تبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي من الخضراوات 55%، ومن الفواكه 33%. ويتم إنتاج ثلثي الحبوب المحلية ونحو 70% إلى 80% من الخضراوات في المناطق الشرقية من البلاد. وأشارت هيئة GeoSphere Austria إلى أن معدل تساقط الأمطار حتى شهر يوليو انخفض بمقدار الثلث مقارنة بالمعدل المسجل بين عامي 1991 و2020، ولا سيما في ولاية النمسا العليا وشرق النمسا.

وتتزامن هذه الأزمة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج التي تثقل كاهل المزارعين النمساويين، لا سيما أسعار الوقود والأسماك والأسمدة، مما جعل الوضع المالي للعديد من المزارع معقداً ويدفع باتجاه المطالبة بزيادة الأسعار لتعويض الأعباء المالية، وسط تحذيرات من تفاقم الخسائر في حال استمرار حبس الأمطار.

التحركات الحكومية والردود السياسية

من جانبه، أعلن وزير الزراعة النمساوي Norbert Totschnig (من حزب الشعب ÖVP) عن التخطيط لإطلاق حزمة إجراءات لمواجهة الجفاف بالتنسيق مع الولايات النمساوية وغرفة الزراعة، مع التركيز على خطط إغاثة قصيرة الأجل وإجراءات طويلة الأمد للتكيف مع التغير المناخي. وفي حين تواصل شركة التأمين ضد البرد والجفاف Hagelversicherung تقييم الأضرار لإعلان الأرقام الأولى يوم الاثنين، طالب مربو أبقار الحليب بتعويضات قدرها 300 يورو لكل بقرة من صندوق الكوارث.

وأكد المستشار النمساوي Christian Stocker (من حزب الشعب ÖVP) في بيان رسمي أخذ تقارير الجفاف بجدية بالغة، مؤكداً دعم القطاع الزراعي للحفاظ على السيولة وتعويض الأضرار. وفي المقابل، وجه حزب الحرية FPÖ عبر نائبه Peter Schmiedlechner انتقادات للوزارة بسبب التأخر في معالجة الأزمة، فيما طالبت المتحدثة باسم حزب الخضر Olga Voglauer بإنشاء خلية أزمة وسجل لسحب المياه. كما دعت جمعية Land&Forst Betriebe برئاسة Konrad Mylius، ومؤسسة Greenpeace ورابطة IG Milch، الوزير Norbert Totschnig إلى إنهاء التحفظ على قوانين المناخ وحماية الطبيعة وتطبيق تشريعات الاتحاد الأوروبي للترميم المناخي.

أزمة الجفاف تضرب مختلف الدول الأوروبية

ولا تقتصر تداعيات الجفاف على النمسا فحسب، بل تمتد لتشمل دولاً أوروبية عدة، مما يهدد بتفاقم نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار على مستوى القارة. ففي إسبانيا، يتوقع المزارعون تراجع محصول الحبوب بنسبة 30% مقارنة بعام 2025، وسط تحذيرات منتجي زيت الزيتون من قلة المحصول وارتفاع الأسعار. وفي فرنسا، حذرت نقابة منتجي الخضراوات Legumes de France من خسائر تصل إلى 50% وتكبد عشرات الملايين من اليورو، مما دفع وزيرة الزراعة الفرنسية Annie Genevard لإعلان خطة طوارئ لدعم المزارعين المتضررين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى